محمد بن وليد الطرطوشي

64

سراج الملوك

وروي أنّ عليّ بن أبي طالب « 1 » رضي الله عنه ، لما رأى فاطمة « 2 » رضي الله عنها ، مسجّاة « 3 » بثوبها ، بكى حتى رثى له « 4 » ، ثم قال : لكلّ اجتماع من خليلين فرقة * وإنّ الذي دون الممات قليل أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل ثم قال : ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كلّ خليل أراك بصيرا بالذين أحبّهم * كأنّك تنحو نحوهم بدليل ولما نفض يديه من ترابها ، تمثّل بقول بعض بني ضبّه « 5 » : أقول وقد فاضت دموعي حسرة * أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب أخلّاى ! لو غير الحمام أصابكم * عتبت ، ولكن ما على الموت معتب « 6 » وقال العتّابي « 7 » : قلت للفرقدين والليل ملق * سود أكنافه على الآفاق « 8 » أبقيا ما بقيتما فسيرمى * بين شخصيكما بسهم الفراق غرّ من ظنّ أن يفوت المنايا * وعراها قلائد الأعناق « 9 » كم صفيّين متّعا باجتماع * ثم صارا لغربة وافتراق « 10 » لا يدوم البقاء للخلق لك * نّ داوم البقاء للخلّاق

--> ( 1 ) علي بن أبي طالب : رابع الخلفاء الراشدين ، سبقت ترجمته . ( 2 ) فاطمة بنت محمد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أم الحسنين وزوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توفيت بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بخمسة أشهر . ( الأعلام 4 / 295 ) . ( 3 ) مسجاة بثوبها : مغطاة به . ( 4 ) رثي له : رق الناس لحاله . ( 5 ) في ( ط ) بني أمية والصحيح ( بني ضبّه ) نسبة إلى ضبّه بن أدّ ، من بني عدنان ، ومنازلهم في جوار بني تميم ، بالناحية الشمالية من نجد ، وقائل هذه العبارة هو : الغطمش الضبي ، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب ( 4 / 674 باب : عتب ) ، وذكر البيت الأول بلفظ مشابه للمذكور هنا . ( 6 ) الإخلاء : جمع خليل ، وهو : الصديق . والحمام : الموت . والعتب : الموجدة . ( 7 ) العتابي : كلثوم بن عمرو التغلبي ، شاعر بليغ من أهل الشام ، مدح الخلفاء والأمراء والبرامكة ، وكان يتكسب بالشعر ، مات سنة 220 ه . ( الأعلام 5 / 231 ) . ( 8 ) الفرقدان : نجمان قريبان من القطب الشمالي يهتدى بهما . الأكناف : الجوانب والظلال ، كنف الطائر : جناحه ، وكنف الإنسان : حضنه . ( 9 ) العرى : جمع عروة ، وهي طوق القلادة . ( 10 ) الصفي : الصديق .